يوسف زيدان

11

رسالة الأعضاء

أما لقب ( القرشي ) فهو لا يشير كما يبدو لأول وهلة إلى ( قريش ) التي عادة ما ينسب إليها القرشيون بضم القاف ؛ ذلك أنها ( القرشي ) بفتح القاف والراء ، نسبة إلى قرية قرب الشام اسمها القرش ، وهي قرية صغيرة ، لم نر غير ابن النفيس منسوبا إليها ! وقد تنبهنا لذلك مما جاء في تلك الورقة الساقطة من كتاب ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ) لزميل ابن النفيس ومعاصره : ابن أبي أصيبعة . . وهي الورقة التي خلت منها كل طبعات هذا الكتاب ، حتى إن المشتغلين بتاريخ العلوم العربية ، اندهشوا من عدم ترجمة صاحب « عيون الأنباء » لمعاصره ابن النفيس ، وظن ماكس مايرهوف أن ذلك بسبب خلاف كان بينهما ، لكن العثور على هذه الورقة كان فيه بطلان الظنون « 1 » . ومع ذلك ، فقد تأملت هذه الورقة التي عثر عليها بمخطوطة ( عيون الأنباء ) المحفوظة بالمكتبة الظاهرية « 2 » ، فبدت لي كأنها ملحق مدسوس على الكتاب ، وضعه أحد النساخ المتأخرين . . وهنا يعود السؤال : لماذا لم ترد ترجمة عالم كبير كابن النفيس في عيون الأنباء ؟ وهنا لن نصدق ظنون ماكس مايرهوف حول الخلاف بين الرجلين ؛ ذلك أن ابن النفيس لم يكن زميلا لابن أبي أصيبعة لفترة طويلة ، فقد سبقه بسنوات عديدة ، وسافر إلى مصر قبل أن يسير ابن أبي أصيبعة إليها ثم يرحل عنها إلى صرخد . ولعل بعد الشّقّة بينهما هو السبب في ( تغافل ) ابن أبي أصيبعة أو غفلته عن الترجمة لابن النفيس ، مع أنه ترجم لبقية تلاميذ أستاذه مهذّب الدين الدّخوار . . لكن بإمعان النظر في هؤلاء التلاميذ ، سنرى أنهم جميعا كانوا بالشام ، وليس بمصر ! من هنا جاء هذا الناسخ المتأخر ، وتدارك النقص في النسخة الظاهرية ، فذكر ترجمة ابن النفيس ، تلك الترجمة التي لم ترد في أية مخطوطة أخرى من كتاب عيون الأنباء « 3 » .

--> ( 1 ) راجع مناقشة د . غليونجي لهذه القضية ، في كتابه ( ابن النفيس ) ، ص 72 ، وما بعدها . ( 2 ) توجد نسخة فوتوغرافية من هذه الترجمة الفريدة ، بمقدمة فهرس مخطوطات الظاهرية الذي وضعه د / سامي حمارنة . ( 3 ) جاء في الترجمة الملحقة بنسخة « عيون الأنباء » ما يلي : « علاء الدين ابن الحرم القرشي المتطبب ، القرش قرية قرب الشام ، فإنه كان شيخا فاضلا كالبحر الخضم والطود الأشم للعلوم ، ولم يكن منفردا بفن من الفنون ، ولو لم يكن له غير ( شرح غوامض القانون ) لكفى به دليلا على غزارته ، فكيف وله مع ذلك تصانيف كثيرة في جميع الأنواع ، مقبولة عند المحققين في أكثر البقاع ، مشتملة على حقائق الأنظار ودقائق الأفكار ولطائف الإشارات وطرائف العبارات ، وخاصة كتابه المسمى بالموجز القانوني ، وكتاب الشامل الذي ذكر فيه اختلافات مذاهب طوائف العلماء وتفنن معاشر الحكماء في أصناف العلوم والحكمة ، مع ما هو اللباب والنقادة ، -